
|
لفن التشكيلي.. حين تصمت الكلمات وتنطق الألوان
محمد الهلالي
|
||
|
الفن التشكيلي.. حين تصمت الكلمات وتنطق الألوان
تقرير_محمد الهلال
تصوير_مخلص عموري
الفنان: وائل المصري
لغة لا تعرف الحدود
في زمن يموج بالكلمات المتدفقة والضوضاء الرقمية، يبقى الفن التشكيلي تلك اللغة الهادئة التي تخاطب الروح من دون وسيط. إنه أحد أرقى أشكال التعبير البشري، حيث تتحول الألوان إلى كلمات، والخطوط إلى جمل، والمساحات إلى معانٍ تختصر آلاف الحكايات في صمت بليغ.
يحتل الفن التشكيلي مكانة خاصة بين الفنون البصرية، فهو ليس مجرد رسم أو نحت، بل هو رؤية كونية تعيد تشكيل العالم وفق منظور الفنان الداخلي. إنه المسرح الذي تظهر عليه المواهب الإنسانية في أبهى حللها، والقدرة الخلاقة على اصطياد الجمال وتقديمه للآخرين خالصاً من أي شائبة نفعية، فالهدف الأول والأخير هنا هو المتعة الجمالية والتأمل الفكري الخالص.
جذور تاريخية تمتد في الزمن
يمتد تاريخ الفن التشكيلي إلى أعماق الحضارة الإنسانية الأولى. ففي كل حفريات العالم، من وادي النيل إلى بلاد الرافدين، ومن اليونان إلى الجزيرة العربية، عثر علماء الآثار على تماثيل ومنحوتات تحكي قصة الإنسان مع الإبداع. هذا الكم الهائل من القطع الفنية، الموزع اليوم في أشهر متاحف العالم، يروي قصة التنوع الكبير في الأشكال التعبيرية التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ.
قبل ظهور الإسلام، كان للفن التشكيلي حضور طاغ في شبه الجزيرة العربية، حيث نحت العرب التماثيل لتمثل آلهتهم في العصر الجاهلي، تماماً كما فعل الإغريق عندما نحتوا تماثيل "فينوس" و"أبولو" وغيرهما من المعبودات القديمة. كما انتشرت الرسوم التصويرية للإنسان والحيوان في تلك الفترة، إلى أن جاء الإسلام ومنع تجسيد الكائنات ذات الأرواح، فتحول الإبداع التشكيلي نحو آفاق جديدة تمثلت في فنون الخزف والزخرفة الإسلامية التي أبدعها الفنانون باستخدام القوالب والصبغات الطينية.
الفن.. مرآة الروح
لطالما كان الفن مرآة تعكس ما يعتمل في النفس البشرية من مشاعر وأحاسيس. إنه "يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية"، كما يقولون، وهو "التعبير الأسمى عن الحرية" التي لا تقيدها حدود. في لحظات العجز عن التعبير بالكلمات، يتقدم اللون ليؤدي الرسالة، فـ"الرسم صمت الفكر، ولغة الروح" التي تخاطب العين قبل العقل، والقلب قبل المنطق.
هذا ما أكده النقاد والفلاسفة عبر العصور: أن الفن حين يبلغ ذروته يصبح لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، قادرة على اختراق الحواجز الثقافية واللغوية لتصل مباشرة إلى جوهر الإنسان.
وائل المصري.. تجربة تشكيلية من قلب حماة
في سياق هذه الرؤية الإبداعية، تأتي تجربة الفنان التشكيلي السوري وائل المصري، العضو في اتحاد الفنانين التشكيليين في حماة ودار الفنانين التشكيليين، لتجسد هذه الفلسفة الجمالية على أرض الواقع.
يقدّم المصري في أعماله الأخيرة رؤية فنية معاصرة تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، لعلّ أبرزها ثلاثيته المميزة التي تحمل توقيع المكان الحموي الأصيل
· اللوحة الأولى (الكلانية).. حيث يلتقط المصري جوهر الطبيعة الحموية بألوانه المفعمة بالحياة.
· اللوحة الثانية (جسر الكلانية).. التي تؤرخ لجسر عتيق يحمل ذاكرة المدينة وعبق تاريخها.
· اللوحة الثالثة (الكلانية الجانبية).. حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى لوحة فنية تنبض بالجمال.
الفن خلود
يبقى الفن التشكيلي ذلك الكائن الجميل الذي لا يشيخ، يتجدد مع كل عصر، ويعيد اكتشاف نفسه مع كل فنان. هو اللغة التي لا تعرف المستحيل، والأداة التي تحوّل الخام إلى مصقول، والعادي إلى استثنائي. في عالم يزداد تعقيداً، يظل الفن التشكيلي واحة صفاء، ومساحة حريّة، ونافذة على الجمال الذي لا ينتهي.
| ||
ما هو تقيمكم لموقع وجريدة الدبور