
|
الرقة… مدينة الفرات بين عبق التاريخ ووجع الحاضر....
طارق النوري
|
||
|
الرقة… مدينة الفرات بين عبق التاريخ ووجع الحاضر....
على ضفاف نهر الفرات، وفي قلب الجزيرة السورية، تتربّع مدينة الرقة كواحدة من أقدم المدن التي حملت على عاتقها تاريخاً ثقيلاً من الحضارات، والتحولات، والصراعات. موقعها الجغرافي جعلها عقدة وصل بين الشرق والغرب، وبين الجزيرة السورية وعمق بلاد الشام، فكانت عبر العصور محطةً للقوافل، ومركزاً للتجارة، وموطناً للعلم والعمران.....
تقع الرقة في الجهة الشماليةالشرقية من سوريا، على ضفاف نهر الفرات، وتشكّل نقطة استراتيجية تربط بين محافظات حلب ودير الزور والحسكة. هذا الموقع جعلها ذات أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة، إذ تمرّ عبرها طرق حيوية، وتحيط بها أراضٍ زراعية خصبة طالما شكّلت سلة غذاء مهمة للمنطقة.
ولم يكن الفرات مجرد نهر يعبر المدينة، بل كان روحها النابضة؛ منه ارتوت الحقول، وعلى ضفافه نشأت القرى، وازدهرت الزراعة، وتكوّنت هوية اجتماعية وثقافية خاصة بأهل الرقة، عُرفت بالبساطة والكرم والانتماء العميق للأرض.
ازدهرت الرقة في العصر الإسلامي، ولا سيما في العهد العباسي حين اتخذها الخليفة هارون الرشيد مقراً صيفياً لحكمه، فشهدت المدينة نهضة عمرانية واسعة. شُيّدت فيها القصور، وأقيمت الأسوار، وبُنيت المساجد، لتغدو مركزاً سياسياً وعسكرياً بارزاً في الدولة العباسية.
ولا تزال بعض الآثار شاهدة على ذلك العصر، مثل أجزاء من سور الرقة التاريخي وبقايا المنشآت التي تروي حكاية مدينة عريقة
في العقود الأخيرة، عانت الرقة من سياسات تهميش ممنهجة في عهد النظام السابق، حيث غابت عنها المشاريع التنموية الحقيقية، واقتصر الاهتمام على الحد الأدنى من الخدمات، رغم ما تمثّله من أهمية زراعية واقتصادية. بقيت شوارع كثيرة بلا تأهيل، وأحياء كاملة تفتقر إلى البنية التحتية المتينة، فيما هاجر كثير من أبنائها بحثاً عن فرص أفضل.
مع اندلاع الأحداث في سوريا، تحوّلت الرقة إلى ساحة صراع مفتوح، وتعاقبت عليها قوى متعددة، لتدخل المدينة في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها الحديث. شهدت أحياء كاملة دماراً واسعاً طال الأبنية السكنية، والمدارس، والمشافي، والجسور، وحتى المرافق الخدمية الأساسية.
خلال سنوات السيطرة المتعاقبة، تضرّرت البنية التحتية بشكل شبه كامل في بعض المناطق، وانتشرت الأنقاض في الشوارع، وتحولت أحياء بأكملها إلى كتل إسمنتية منهارة. لم يكن الدمار عمرانياً فحسب، بل اجتماعياً أيضاً؛ فقد تمزّق النسيج المجتمعي، ونزح الآلاف من السكان إلى مخيمات النزوح، تاركين خلفهم بيوتاً وذكريات.
ورغم كل ما حلّ بالرقة، فإن المدينة لم تفقد روحها. عاد كثير من أبنائها ليبدؤوا من تحت الركام، يرمّمون منازلهم بأيديهم، ويعيدون فتح محالهم التجارية، ويزرعون أرضهم من جديد. ما تزال الأسواق تنبض بالحياة، وما زال الفرات يجري شاهداً على قدرة هذه المدينة على النهوض.
الرقة اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تُمنح فرصة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، أو تبقى رهينة آثار الدمار والإهمال. إن إعادة بناء الرقة ليست مجرد مشروع عمراني، بل هي إعادة اعتبار لمدينة شكّلت جزءاً أصيلاً من تاريخ سوريا وهويتها.
في الرقة، تختلط رائحة التراب المبلّل بمياه الفرات بذكريات الماضي العباسي المجيد، وبآثار سنوات الحرب الثقيلة. لكنها، كما كانت دائماً، مدينة لا تنكسر بسهولة… مدينة تعرف كيف تصبر، وكيف تنتظر فجراً جديداً يليق بتاريخها وموقعها وأهلها......
بقلم الصحفي طارق النوري مدير مكتب الدبور في الشمال السوري و الرقة
| ||
ما هو تقيمكم لموقع وجريدة الدبور